محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )

57

الروض المعطار في خبر الأقطار

الترك نفوسا وأنفذهم عزما وأنجحهم طلبا ، ولهم عند ملوكهم حظوة وإعزاز ولهم أموال واسعة . ومدينة ملكهم خاقان مدينة عظيمة لها أسوار حصينة وأبواب حديد ، وللملك بها أجناد وعساكر والملوك بها تهاب سلطانه وتخاف سطوته ، وهو ملك عظيم لا يتولى الملك فيهم إلا وهو من أهل الملك . وملك الكيماكية يلبس عليه « 1 » الذهب وقلنسوة الذهب ويظهر لأهل مملكته في أربعة أوقات من السنة ، وله حاجب ووزراء ودولة عادلة ، وأهل دولته يحبونه لإحسانه إليهم ونظره في أمورهم ، وله قصور ومبان شامخة ومنتزهات وهمم عالية وكرم طبع ، وأهل مدينة [ أسطور ] لا يقولون بالهموم ولا تجدها قلوبهم ولا يكترثون بالمصائب ، وهم أخصب أهل البلاد وأطيبهم معايش وأكثرهم انفاقا وأعلاهم همما ولباسهم الحرير الأحمر والأبيض ، ولا يلبس هذا النوع منهم إلا الخاصة ، والمياه تخترق أزقتهم وأسواقهم ، ومنهم من يدين بدين الصابئة . اسفرايين : هي مهرجان « 2 » في آخر عمل نيسابور من خراسان وبينهما خمس مراحل وقيل اثنان وثلاثون فرسخا ، وهي مدينة كبيرة فيها أسواق ومياه جارية وخانات . أسفي : مرسى أسفي في أقصى المغرب ؛ وفي بعض الأخبار أن الشيطان نزغ بين بني حام وبني سام أو ساسان ، فوقعت بينهم مناوشات وحروب كانت الدائرة فيها لسام وبنيه ، وكان آخر أمر حام أن هرب إلى ناحية مصر وتفرق بنوه ، ومضى على وجهه يؤم المغرب حتى انتهى إلى السوس الأقصى إلى موضع يعرف اليوم باسفي ، وهو آخر مرسى تبلغه المراكب من عند الأندلس إلى ناحية القبلة وليس بعده للمراكب مذهب ، وخرج بنوه في أثره يطلبونه فكل طائفة من ولده بلغ موضعا وانقطع عنهم خبره أقامت بتلك الناحية وتناسلوا فيه ، ولما مات دفنوه بنوه في حجر منقور في جبل أصيلا . ووقوف المراكب عند أسفي « 3 » لأنه آخر مرسى تصل إليه المراكب كان فيما سلف ، وأما الآن فهي تجوزه بأربعة مجار . واسفي عليها عمارات وبشر كثير من البربر ، والمراكب تحمل منها أوساقها في وقت السفر وسكون حركة البحر المظلم ، ومن مرسى أسفي إلى مرسى ماست مائة وخمسون ميلا ؛ وقد أوردنا في ذكر اشبونة خبر القوم المغررين الذين ركبوا البحر المظلم ليقفوا على نهايته انهم صيروا إلى موضع أسفي ، وان جماعة من البربر رأوهم فتعرفوا أمرهم فقال زعيمهم وا أسفي تحسرا عليهم لما قاسوه ، فسمي المكان إلى اليوم أسفي بتلك الكلمة . اسنخوا « 4 » : مدينة بالصين ، وهي على بطحاء أرض ممتدة لا ينبت بها شيء إلا الزعفران غرسا ومن ذات نفسه برّيا ، ومنها يتجهز بالزعفران إلى سائر أمصار الصين ويباع بها منه ما يعم الكل كثرة وطيبا ، وقد يعمل بهذه المدينة الحديد « 5 » والغضار ، وليس في بلاد الصين صنعة أجمل من الفخّار والرسم ، لا يقدمون على الرسم والتصوير صنعة ، وإنما تلحق بها في الفضل عندهم صنعة الفخّار حتى أنهم يسمون الفخار خالقا صغيرا والمصوّر خالقا كبيرا ، ولا يفوق الرسم عندهم صنعة ، وملوك الهند والصين لا يتركون الرسم بل يقولون به ويتعلمونه ، لا يدني الملك من أولاده إلا أرسمهم وأمهرهم في صنعة الرسم . أسوان « 6 » : في الصعيد آخر بلاد مصر ، وفي بلادهم من الجبال والأوعار التي تحول بينهم وبين النوبة ولولا هي لأفسدت النوبة بلاد مصر ، والنيل إنما يهبط من بلاد النوبة على صخور وأوعار لا يدخل ذلك الموضع مركب ، وأسوان من ثغور النوبة إلا انهم في أكثر الأوقات مهادنون ، وكذلك مراكب مصر لا تصعد في النيل إلا إلى مدينة أسوان فقط وهي في آخر الصعيد الأعلى . وإلى أسوان تصعد المراكب من فسطاط مصر وعلى أميال منها جبال وأحجار يجري النيل في وسطها وهذا الموضع فارق بين سفن الحبشة في النيل وسفن المسلمين . وأسوان مدينة صغيرة كثيرة الحنطة وسائر أنواع الحبوب والفواكه والبطيخ الأخضر وسائر البقول ، وبها اللحوم الكثيرة من البقر والغزلان والمعز وغيرها من صنوف اللحم العجيبة البالغة في الطيب والسمن وأسعارها أبدا رخيصة ، وبها تجارات وبضائع تحمل منها إلى بلاد النوبة ، وليس يتصل بأسوان من جهة المشرق

--> ( 1 ) النزهة : حلة . ( 2 ) مهرجان اسمها القديم ، كما ذكره ياقوت . ( 3 ) قارن الإدريسي ( د / ب ) : 74 / 49 . ( 4 ) نزهة المشتاق : 148 . ( 5 ) نزهة : الحرير . ( 6 ) الإدريسي ( د ) : 21 ، ونزهة المشتاق : 27 ، والمروج 3 : 40 .